منوعات

دون كيخوت.. فارس المثالية يعود من جديد

شاهيناز عباس تكتب:

في هذا الزمان.. تُقابَل المثالية بالشك أكثر مما تُقابَل بالتصديق.. ولا أحد يقتنع بها بسهولة بل بالعكس تُوضَع موضع الارتياب.

في زمننا تبدو المثالية كأنها تهمة تحتاج إلى دفاع، لم تعد  تُحتفى بها، بل تُحاصَر بالشكوك.

فالمثالية في هذا العصر تُرى غالبًا كوهْمٍ جميل لا كحقيقة ممكنة.. فصار الإيمان بها أقرب إلى السذاجة في نظر كثيرين.

شاهيناز عباس

كما أن الدفاع عن الحق لم يعد ضيفًا مُرحَّبًا به في هذا الزمان ..  يدخل المجالس كغريبٍ ثقيل فتُقابله الوجوه بالتحفّظ .. وتُشيّعه النظرات المرتابة فمن يرفع صوته به يُتَّهم بالمبالغة.. أو يُدفع إلى الهامش كمن أفسد انسجام الصمت . فصار الحق على بداهته يحتاج إلى تبرير.. وكأن وضوحه لم يعد كافيًا ليحميه.

وبينما تتسع المساحات لكل ما هو مريح ومساير، يضيق المجال أمام كلمةٍ صادقة لا تعرف المساومة. ومع ذلك يبقى الحق.. رغم غربته أشد حضورًا من كل ما يُزاحمه.. لأنه لا يقاس بقبول الناس له بل بقدرته على البقاء حين يبهت كل شيء سواه.

هل تعرفون من هو “دون كيخوت” إنه لم يكن مجرد فارسٍ ضلّ طريقه أو شخصية أدبية في رواية سرفانتس بل كان صورةً حيّةً للمثالية حين تخرج إلى العالم بلا درعٍ من الواقعية.

رأى الكون كما ينبغي أن يكون وليس كما هو كائن فحوّل الخراب إلى معركة، والحلم والأمل إلى قضية، والعابر إلى معنى.  كان يؤمن أن العدالة لا تحتاج إذنًا وأن النبل يكفي ليُعيد ترتيب الفوضى. ولكن العالم كما هو بثقله وقسوته لم يكن مستعدًا لاستقبال هذا الصفاء فسخر منه حينًا.. واصطدم به حينًا آخر. ومع ذلك لم تكن هزيمته في سقوطه بل في عيونٍ عجزت عن رؤية ما كان يحاول إنقاذه. نعم فالمثالية…… في جوهرها ليست خطأ دون كيخوت… بل مرآة تكشف كم ابتعد الواقع عمّا يجب أن يكون.

ولكن هل من الممكن أن نحاول ان نبحث عن بعض التوازن بين المثالية والواقعية في شخصية سانشو بانزا الذي يتتبع خطي دون كيخوت لتحاول صده عن المثالية المفرطة…… لما لا فقد يحقق هذا بعض التوازن المفقود فهو رجل بسيط ينظر الي دون كيخوت و كأنه فارس يحاول ان يحقق ما كان يتمني أن يراه في شخص من قبل ومع صعوبة وجود مثل هذا الشخص في هذا الزمان فهو يتابعه ليحميه حتي من نفسه المثالية

 

ولكن دعنا نفكر أيهما أكثر حقيقة الواقع الرتيب الذي نلمسه بأيدينا أم المثالية التي نحملها في أرواحنا؟

​فالمثالية في دون كيخوت…. تمثل الروح والتحليق نحو النجوم و والنظر إلى الأفق البعيد.

أما الجوهر الحقيقي للإنسانية… فنحن نحتاج للمثالية لنتحمل وطأة الواقع… و ايضا نحتاج للواقع لنبقي أقدامنا على الأرض.

هنا يبرز التساؤل الموجع: من هو المجنون حقاً؟

​أهو الذي يرى العالم بؤرة من الظلم ويسكت بدعوى “العقلانية”؟

​أم هو الذي ينهض بكل ضعفه ليغير هذا الظلم ولو بخياله؟

​إن المثالية الحقيقية في هذه الرواية ليست في النصر….بل في شرف المحاولة…. لقد هُزم دون كيخوت في كل معاركه تقريباً….لكنه انتصر في معركة الخلود… لأنه أثبت أن قيمة الإنسان تكمن في “القضية” التي يؤمن بها وليس في حجم المكاسب التي يحققها.

فهناك من رأى المعركة حيث لا يراها الجميع….

لم يرَ الطعام مجرد لذة… بل رآه سلاحًا…..لم يرَ المرض قدرًا، بل نتيجة.. ومن هذه الرؤية، وُلدت بطولته.

وفي زمنٍ تتكدس فيه الأمراض  بدا ظهوره مرة أخري منطقيًا…العالم لم يعد ساحة معارك بالسيوف والأسلحة فقط بل صار ساحة معارك خفية.. سكرٌ يعلو وضغطٌ يختل وأجسادٌ تتعب بصمت…  وعقولٌ تبحث عن يقين.هنا..

لم يعد العدو فارسًا أو عملاقًا بل صار طبقًا يوميًا.. أو عادةً متوارثة.. أو نمط حياةٍ بلا وعي.

فشخصية دون كيخوت ظلت تطوف في مخيلة كل من آمن يوماً أن العالم يستحق أن نحلم به بشكل أفضل مما هو عليه.. إنها المثالية التي لا تموت لأنها الحقيقة الوحيدة التي تجعل للحياة معنى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى