تكشف التطورات السياسية في تشاد خلال صيف 2026 عن نهج جديد في إدارة السلطة للمساءلة، يجمع بين التحرك على المستوى الدولي وإعادة ترتيب المشهد السياسي الداخلي. وتتناول الدراسة إعلان نجامينا الانسحاب من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، بالتزامن مع العفو الرئاسي عن زعيم المعارضة سوكسيه ماسرا، باعتبارهما خطوتين مترابطتين تعكسان رغبة النظام في إعادة التحكم في أدوات المساءلة بدلًا من إلغائها بصورة كاملة.
فعلى المستوى الدولي، أعلنت تشاد في 27 يوليو 2026 انسحابها من المحكمة الجنائية الدولية، في خطوة بررتها الحكومة بانتقادات تتعلق بانحياز المحكمة ضد الدول الأفريقية. إلا أن الانسحاب لا يدخل حيز التنفيذ فورًا، إذ تفرض المادة 127 من نظام روما مهلة عام كامل، ما يعني استمرار التزامات تشاد القانونية تجاه المحكمة خلال هذه الفترة، بما في ذلك التعاون بشأن القضايا التي بدأت إجراءاتها قبل نفاذ الانسحاب. وتبرز هنا مفارقة أساسية بين الإعلان السياسي بالخروج والاستمرار القانوني المؤقت في الالتزامات.
أما داخليًا، فجاء العفو عن سوكسيه ماسرا بعد قضائه أكثر من عام في السجن إثر الحكم عليه بالسجن 20 عامًا. وترى الدراسة أن العفو لم يمحُ الإدانة القضائية، وإنما أوقف تنفيذ العقوبة، وهو ما أبقى آثار الحكم القانونية قائمة، بما فيها القيود السياسية المرتبطة بالإدانة. وبذلك تمكنت السلطة من تقديم خطوة تهدئة وانفتاح تجاه المعارضة، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بأداة ضغط قانونية يمكن أن تؤثر في مستقبل ماسرا السياسي.
وتربط الدراسة بين هذه التحركات وبين الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها تشاد، من تراجع أداء قطاع النفط وارتفاع أسعار الغذاء إلى تزايد أعداد اللاجئين السودانيين وارتفاع مخاطر انعدام الأمن الغذائي. وفي هذا السياق، يمكن للعفو أن يسهم في تخفيف التوتر السياسي، بينما يمنح الانسحاب من المحكمة النظام مساحة أوسع لإعادة صياغة علاقته بآليات المساءلة الدولية.
وتطرح الدراسة مفهوم «إعادة تدوير المساءلة» لوصف هذا النمط، حيث لا تختفي المساءلة، وإنما يعاد وضعها في مساحة تستطيع السلطة التحكم بدرجة أكبر في توقيتها وآلياتها. ويجمع هذا النهج بين الشرعنة السيادية والاستمالة السياسية والاحتفاظ بأدوات الردع، بما يتناسب مع طبيعة الأنظمة الهجينة التي تفضل المساءلة المؤجلة أو المشروطة على العقاب الكامل أو التبرئة الشاملة.
وتخلص الدراسة إلى أن هذا النهج قد يمنح النظام التشادي مرونة كبيرة في إدارة أزماته على المدى القصير، لكنه لا يلغي مصادر التوتر، إذ تظل الملفات القانونية والسياسية قابلة لإعادة التفعيل مع تغير موازين القوى. ومن ثم، فإن التجربة التشادية تطرح سؤالًا يتجاوز مسألة وجود المساءلة إلى سؤال أكثر أهمية: من يمتلك القدرة على التحكم في توقيتها، وتحديد نطاقها، وتفعيلها؟




