
أنهت إثيوبيا أعمال الحوار الوطني الذي استمر 40 يومًا بمشاركة نحو 4 آلاف شخص، معلنة حزمة واسعة من التوصيات التي قالت إنها تستهدف معالجة أزمات البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتهيئة الطريق نحو سلام واستقرار أكثر استدامة.
إلا أن المخرجات سرعان ما تحولت إلى نقطة خلاف جديدة، بعدما تضمنت مقترحات تمس جوهر النظام السياسي والدستوري، أبرزها الاتجاه نحو إلغاء الحق الدستوري للقوميات في تقرير مصيرها، إلى جانب الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، وفق مركز “فاروس” للاستشارات والدراسات الاستراتيجية
وتنظر قوى معارضة إلى هذه التغييرات باعتبارها إعادة رسم لموازين السلطة لمصلحة رئيس الوزراء أبي أحمد وحزب الازدهار الحاكم، خصوصًا في ظل امتلاك الحزب أغلبية سياسية واسعة، وغياب عدد من القوى المعارضة والإثنية المؤثرة عن جلسات الحوار.
وتكتسب قضية الفيدرالية الإثنية حساسية خاصة في إثيوبيا، حيث شكلت المادة 39 من دستور عام 1995 أساسًا لمنح القوميات حق تقرير المصير، وصولًا إلى الانفصال. ولذلك، فإن أي تعديل جوهري لهذا النظام قد يفتح الباب أمام مواجهة سياسية ودستورية واسعة بين الحكومة والقوى التي ترى في الفيدرالية ضمانة لحقوق المكونات الإثنية.
ولم تقتصر الاعتراضات على القوى المسلحة أو الجماعات الإثنية، إذ أعلنت أحزاب معارضة رفضها الاعتراف بالحوار ومخرجاته، متهمة اللجنة المشرفة عليه بعدم الحياد، ووجود خلل في تمثيل المشاركين، وعدم منح القضايا الأكثر حساسية الوقت الكافي للنقاش.
وفي المقابل، ترى الحكومة أن انتهاء الحوار لا يمثل نهاية المسار، وإنما بداية مرحلة أصعب تتمثل في تحويل التوصيات إلى إصلاحات وتشريعات ومؤسسات جديدة.
لكن تنفيذ هذه التوصيات سيكون الاختبار الحقيقي، خاصة في ظل استمرار التوترات المسلحة والخلافات بين الحكومة الفيدرالية وقوى في تيجراي وأمهرة، وسط مخاوف من أن يؤدي تعديل قواعد النظام السياسي دون توافق واسع إلى تعميق الانقسامات بدلًا من إنهائها.
وبينما تقدم الحكومة الحوار باعتباره خطوة نحو بناء دولة أكثر استقرارًا وشمولًا، تخشى المعارضة أن يتحول إلى بوابة لإعادة تركيز السلطة في يد المركز. وبين الرؤيتين، تدخل إثيوبيا مرحلة سياسية حساسة قد تحدد مستقبل نظامها الفيدرالي وتوازناتها الداخلية لسنوات مقبلة.